وداع على صعيد عرفة

أهلا وداعٌ على صعيد عرفات… ومشهد الرحيل
في السنة العاشرة للهجرة، ازدحم صعيد عرفات بجمعٍ لم تره الأرض من قبل.
وجوهٌ من كل حدب، قلوب خاشعة، وعيون دامعة… كلّهم جاءوا من أطراف الجزيرة يطلبون الحج، ونعمة اللقاء بنبيهم الذي طالما اشتاقوا لرؤيته.
هناك، على جبل الرحمة، وقف رسول الله ﷺ. قد علاه الشيب، ورقّ صوته، وانحنى ظهره، لكن أنواره ملأت المكان.
وقف على ناقته القصواء، وألقى أعظم خطبة في التاريخ. خطبةً لم تكن مجرد كلمات… بل كانت وصية مودِّع.
قال:
“أيُّها الناسُ… اسمعوا قولي، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا بهذا الموقفِ أبدًا…”
فكأنّ القلوب وقفت، ووجوه الصحابة غامت، وبعضهم شحب لونه.
عليّ نظر إلى الأرض، وأبو بكر وضع يده على وجهه يبكي، وعمر تمتم:
“أوَهوَ نذيرُ فراق؟”
ثم قال ﷺ:
“إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليكم حرامٌ، كحُرمةِ يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدِكم هذا.”
“فلا ترجعوا بعدي كُفّارًا، يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض…”
“قد تركتُ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنّتي…”
ثم رفع بصره إلى السماء، ومدّ يديه، وقال ثلاثًا:
“اللهم هل بلّغت؟ اللهم فاشهد… اللهم فاشهد.”
وما إن أنهى كلماته، حتى نزل عليه جبريل، بآيةٍ كأنها تختم سيرة النبوة:
﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِينٗا﴾ [المائدة: ٣]
فبكى عمر بن الخطاب، وقال:
“ما بعد الكمال إلا النقص… إنّه نعيُ رسول الله.”
نزل النبي ﷺ من عرفات، والناس يشيّعونه بنظراتهم، كأنهم يوقنون أنهم لن يروه في الحج بعد هذا اليوم.
العودة إلى المدينة… واقتراب الرحيل
عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، وبدأت علامات الوداع تزداد.
كان يُكثِر من الدعاء، يطيل البكاء، ويعود بقيع الغرقد ليزور قبور أصحابه، كأنه يودّعهم.
وفي صباح يومٍ، خرج على الناس في صلاة الفجر، ووقف على المنبر، وودّعهم بنظراته قبل كلماته، ثم قال:
“إن عبدًا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله…”
ففهم أبو بكر وحده، وانهار بالبكاء، وقال:
“فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله!”
أيامه الأخيرة…
اشتدّ المرض، وثقل الجسد الطاهر، فصار النبي ﷺ لا يستطيع أن يخرج إلى الناس، ولا أن يصلي بهم.
كان في بيت عائشة، يُصارع الحُمّى، وجبينه يتصبّب عرقًا.
وفي يومٍ، رفع الستار عن حجرته، فرأى الصحابة مصطفين في الصلاة، خلف أبي بكر.
تبسّم… ثم أرخى الستار.
قال أنس بن مالك:
“كأن الشمس قد خرجت من وجهه يومئذ… وكانت تلك آخر نظرة.”
ثم… أرخى الستار إلى الأبد.
الرحيل…
كان يوم الإثنين.
في لحظات الفجر، وأسند رأسه على صدر عائشة، نظر إلى السماء، ونطق بكلمات ترتجف لها الأرواح:
“بل الرفيق الأعلى… بل الرفيق الأعلى…”
فصمت الصوت الذي علّم الدنيا النور، وسكنت الأنفاس التي أخرجت البشرية من الظلمات،
وخرجت الروح الطاهرة… هادئة، مطمئنة، مطهّرة.
قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
“مات بين سحري ونحري، وفي يومي، وفي بيتي، وعلى صدري.”
انكسار المدينة…
خرج عمر بن الخطاب على الناس غاضبًا، منكِرًا:
“ما مات رسول الله، ما مات! ذهب للقاء ربّه كما ذهب موسى!”
لكن أبا بكر وقف بثبات الإيمان، وقال كلماته التي أعادت العقل إلى العيون:
“من كان يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حيٌّ لا يموت.”
ثم تلا:
﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾…
فسقط الناس بين بكاءٍ ونحيبٍ.
يقول أنس بن مالك:
“ما رأيت يومًا أظلم منه، حتى الشمسُ كأنها أُطفئت.”
بقيتَ في القلوب يا حبيب الله…
غبتَ عن الأبصار، لكنك ما غبت عن الأرواح.
كلّما صعدنا جبل عرفة، بكيناك.
كلما سمعنا الآذان، افتقدناك.
كلما قرأنا:
“اليوم أكملت لكم دينكم…”
نزلت دموعنا بلا استئذان.
يا رسول الله، ودّعتنا في عرفات، فكان الوداع أعظم الجراح.
وتركْت فينا ما يهدينا… كتاب ربك وسنّتك.
فبكيناك حبًّا، ونسأل الله أن نراك عند الحوض، وتقول لنا:
“أمّتي… أمّتي.”
احسنت الكتابة والنشر